المقريزي

55

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فرضنا خطّا خرج من محاريب مصر الصّحيحة التي وضعها الصّحابة ، ومرّ على استقامة من غير ميل ولا انحراف ، لاتّصل بالكعبة ولصق بها . واعلم أنّ أهل مصر والإسكندرية وبلاد الصّعيد وأسفل الأرض وبرقة وإفريقيّة وطرابلس المغرب وصقلّيّة والأندلس وسواحل المغرب إلى السّوس الأقصى والبحر المحيط ، وما على / سمت هذه البلاد ، يستقبلون في صلاتهم من الكعبة ما بين الرّكن الغربي إلى الميزاب . فمن أراد أن يستقبل الكعبة في شيء من هذه البلاد ، فليجعل بنات نعش إذا غربت خلف كتفه الأيسر ، وإذا طلعت على صدغه الأيسر ، ويكون الجدي على أذنه اليسرى ، ومشرق الشّمس تلقاء وجهه ، أو ريح الشّمال خلف أذنه اليسرى ، أو ريح الدّبور خلف كتفه الأيمن ، أو ريح الجنوب التي تهبّ من ناحية الصّعيد على عينه اليمنى ، فإنّه حينئذ يستقبل من الكعبة سمت محاريب الصّحابة الذين أمرنا اللّه باتّباع سبيلهم ، ونهانا عن مخالفتهم بقوله - عزّ وجلّ - : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً [ الآية 115 سورة النساء ] . ألهمنا اللّه بمنّه اتّباع طريقهم ، وصيّرنا بكرمه من حزبهم وفريقهم . إنّه على كلّ شيء قدير . الجامع بالعسكر « ( a » هذا الجامع ظاهر مصر « ( b » ، وهو حيث الفضاء الذي هو اليوم فيما بين جامع أحمد ابن طولون وكوم الجارح بظاهر مدينة مصر ، وكان إلى جانب الشّرطة والدّار التي يسكنها أمراء مصر ، ومن هذه الدّار إلى الجامع باب ، وكان يجمع فيه الجمعة ، وفيه منبر ومقصورة « 1 » . وهذا الجامع بناه الفضل بن صالح بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس « 2 » ، في ولايته إمارة مصر ، ملاصقا لشرطة العسكر - التي كان يقال لها الشّرطة العليا - في سنة تسع وستين ومائة فكانوا يجمعون فيه .

--> ( a بولاق : جامع العسكر . ( b بولاق : بظاهر مصر . ( 1 ) انظر أبا المحاسن : النجوم الزاهرة 1 : 326 ، 2 : 61 ؛ Fu'a ? d Sayyid , A . , La capitale de I'E ? gypte , pp . 32 - 34 . ( 2 ) انظر الكندي : ولاة مصر 152 - 154 ، وفيما تقدم 2 : 66 .